القرطبي
230
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فإن قيل : كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك ؟ قيل له : لأنها معدة لان تملك ويصح بها الانتفاع ، فهي رزق . الخامسة - قلت : ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الانسان عن كل مخلوق ، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى : ( والله لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه ) . أخرجه مسلم . ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الاشغال من الصنائع وغيرها ، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا . وقال علماء الصوفية : أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر ، وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء ، والماء طيبا والكلأ طعاما ، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا ، فإن الله عز وجل قد أتاح ( 1 ) لك ما لابد لك منه ، من غير منة فيه لاحد عليك . وقال نوف البكالي : رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال : يا نوف ، أراقد أنت أم رامق ؟ قلت : بل رامق يا أمير المؤمنين ، قال : طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا ، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام . . . وذكر باقي الخبر ، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى : " أجيب دعوة الداع ( 2 ) " [ البقرة : 186 ] إن شاء الله تعالى . السادسة - قوله تعالى : ( فلا تجعلوا ) نهى . ( لله أندادا ) أي أكفاء وأمثالا ونظراء ، واحدها ند ، وكذلك قرأ محمد بن السميقع " ندا " ، قال الشاعر : نحمد الله ولا ند له * عنده الخير وما شاء فعل وقال حسان : أتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء
--> ( 1 ) في الأصول : ( أباح ) بالباء الموحدة ، وهو تصحيف . ( 2 ) راجع ج 2 ص 308